ها أنا في عامي الجامعي الثالث ومع ذلك لم أتعلم ما ينبغي لي تعلمه من القانون –تخصصي- وهذا وحده يجعلني أشعر بعدم جدوى الذهاب يومياً لمكان يتسم بالفوضى والظلم , مكان ينقصه كل ما يجب توافره في بيئة أكاديمية طبيعية, ومع ذلك وجدتني أفكر في طريقي المتُعب نحو عليشة –حيث تقع الجامعة – في كل ما تعلمته منها , أدركت أثناء الزحام اليومي الذي يقتص منيَ أمام فندق “ماريوت ” أنني تعلمت الكثير في ما مضى من سنتين , أكثر مما ظننت وأكثر مما تعلمته من في 12 عاماً قضيتها في المدرسة . علمتني الجامعة كثيراً وغيرتني أكثر .
كقانونية تعلمت من الجامعة أن الظلم يغلب أغلب الأمكنة وأن الحق لن ينتصر دائماً . تعلمت الفساد الإداري مصطلحاً علمياً نظرياً في القانون الإداري وواقعاً ماثلاً أمامي أمر به كل يوم فالأجنبيات يملأن الجامعة مع وجود سعوديات يفقنهن علماً عاطلات دون عمل.تعلمت كيف اجمع الدلائل والقرائن لأثبت حقاً سٌلب مني بها أي أن الجامعة لم تغفل التعلم التطبيقي مع أنه غير موجود ضمن الخطة الدراسية للطالبات . ومع ذلك تعلمت أن القانوني هو أكثر من يتملص من القانون ولا يخافه . تعلمت من الجامعة أن ليس كل من سُبق اسمه بحرف الدال هو بالضرورة دكتوراً يحمل من العلم ما يجعله مستحقاً لتلك الدال ,فقد يٌسبق اسمه بسعادة الدكتور فلان” وهو في الوقت ذاته يخطئ في تهجي الكلمات ويكتب الذال زاياً ويقول أن نجداً تقع في شمال المملكة دون أن نملك حق الاعتراض ! ما ذنبي إن قدرَت كل دكتور في العالم لأنني ظننت أن كل دكتور هو مثل والدي أسأله في الشعر والفلسفة والسياسية والتاريخ وكل شيء فيبهرني كل يوم أكثر . تعلمت فيها معنى أن تكون ضعيفاً لاحول لك ولا قوة وأنت في بلدك مع أنني لطالما سمعت أن الغربة مذلة , لا شيء مؤلم أكثر من أن تكون ذليلاًً دون أن تغترب ! تهان وتظلم في بلدك من قبل من أجزل لهم العطاء والثقة . تعلمت من الجامعة أن ليس لكل مجتهد نصيب يجتهد الإنسان أحياناً دون أن يرى النصيب , وأن ليس كل من وجد في مناصب عالية قد وصلها بجهده تماماً كما تحصل بعض طالبات كليتي على معدلات عالية جراء القيام بأعمال الدكتورات والتودد لهن .تعلمت من الجامعة أن ليس كل من ترتدي الحجاب وتستغفر الله كثيراً قبل كل محاضرة و تخرجت من جامعة دينية تتقي الله وتخافه بل قد تكون من شرار البشر وأكثرهم ظلماً حتى وإن حازت على الدكتوارة في الفقه الإسلامي. تعلمت من الجامعة أن الإنسان قد يعمل عملاً يظلم به الآخرين دون أن يدري بل قد يظن أنه يقوم بالصواب . تعلمت من الجامعة معنى أن تجاور شخصاً لأشهر ومن ثم حين يتنقل لمكان آخر سيمر دون أن يسلم أو يتلفت إليك ويبتسم ! تعلمت من الجامعة ألا أصدق قبل أن أرى فأنا أقرأ ما يكتب عن التصانيف العالمية التي حازت عليها جامعتي وعن الأموال التي خصصت لتطويرها وفي الوقت ذاته أدرس في مبنى سبق له أن احترق وقابل للاشتعال في أي لحظة ! مبنى تضج منه روائح الصرف الصحي وتختلط برائحة نتنة جراء تكدس الطالبات به حتى في الممرات .تعلمت معنى ألا يكون للمسمى نصيب من اسمه تماماً كما تسمى كليتنا بكلية الحقوق وهي أبعد ما تكون عن شرف العدالة . تعلمت أن من يتحدث أكثر يفعل الأقل دائماً , ففي كل بداية ترم تسرد لنا كل دكتورة عن بطولاتها الدراسية وترتيبها والتزامها وعدلها وطيبة قلبها …الخ ونسيت النفي الذي كان يجب أن يسبق كل كلمة من خطبتها لتكون مطابقة للواقع ! تعلمت أن العلم الحقً يهذب الأخلاق وأن العالم الحق كلما ازداد علماً ازداد تواضعاً فلا فائدة للعلم دون أخلاق ولا وجود للعلم إن بدا على مدعيه بعض الغرور. تعلمت أهمية القانون والرقابة وأن الإنسان سيظل محتاجاً لقانون يردع مهما وصلت درجته العلمية وإلا طغى وأفسد خاصة في ظل التصحر الأخلاقي الناتج عن بعض الناقمين على بلد لا ذنب له سوى أنه نفطيً غني !
تعلمت من الجامعة أن الطرق الوعرة مهما طالت تنتهي بكل هدوء , وأنها على وعورتها تجعلنا نضحك أحياناً ونرسم ذكريات جميلة ترتطم السخرية بها بالضحك بفعل الواقع . وتعلمت كذلك أن النهايات لا تكون دائماً سعيدة جداً كما نقرأها في الروايات الكلاسيكية كل ما في الأمر أن النهايات تأتي متعادلة أو متوازنة ليست موغلة سوءاً ولا متشربة بالفرح .
لا أصدق أنني الآن أسرد ما تعلمته من الجامعة وقد جاوزتُ الصفحة ! وأتمنى ألا أتعلم منها المزيد من الحقائق المخزية , أتمنى ذلك حقاً !